عن الاديان الوراثية مرة أخرى

حسن الدوله

 عن الاديان الوراثية مرة أخرى
 
 
 
بالامس علق احد الاصدقاء على منشور لي على حائطي الفيسبوك  ، كنت قد قلت فيه ان اتباع اهل السنة والشيعة لا فرق بينهم وكلهم متشابهون فيما يعتقدون ؛  فقال صاحب التعليق وانت زدت على الكل؟ اي فقت الجميع !!! وقال آخر مستغربا كلهم مرة واحدة يا حسن !! ، وسأل ثالث فما هو الحل،؟ ..إلخ
واقول لصاحبي في هذا المنشور ليست السنة والشيعة  متشابهين فحسب بل كل المتدينين في العالم متشابهون لا فرق بين شخص واخر وبين دين واخر وذلك لان الجميع يتلقى دينه وراثة ابا عن جد - خلفا عن سلف - دون اعمال عقل او ابداء شك وريب لما تلقاه منذ الطفولة ؛ فالبوذي ورث دينه عن ابيه كما المسلم والمسيحي؛ وكل يزعم انه على حق وغيره على باطل؛ وهناك اثر شريف يؤكد صحة ما نذهب إليه يقول:( كل مولود يولد على الفطرة وانما ابواه يعودانه او ينصرانه ..)  واضيف او يمجسانه أو يأسلمانه او يسيخانه او يبوذانه او أو او .إلخ. فالكل مقلد لمن سلفه ولا اختيار له فيما يعتقد وانما هو دين الإلف والعادة ؛ والتقليد جهل ولا تفاضل في الجهل.
 واثناء قراءتي لرواية : ((عزازيل ))، التي كتبها الراهب هيبا المسيحي المصري، في القرن الخامس، وترجمها الروائي الشهير يوسف زيدان، حيث يقص الراهب ما جرى لوالده من قبل متعصبي الديانة المسيحية، حيث كان والده معتنقا لديانة مصرية قديمة اندثرت وكانت تعبد الاله خنوم، ولم يتبق من معتنقي تلك الديانة سوى مجموعة رهبان، تحصنوا في كنيسة خنوم،  وكان والد الراهب هيبا يمدهم بالاكل والشراب، ولما اكتشف أمره، تربص به مجموعة من عوام المسيحيين، فوثبوا عليه كالسباع الضارية،  وجروه على الصخور،  وبسكاكينهم الصدئة ذبحوه ذبح النعاج- وذلك كما تفعل داعش اليوم حين يظفرون بإنسان مخالف لهم في الإعتقاد-.
وقد كان والده يناشدهم بالاله خنوم ويطلب منهم الرحمة والشفقة ان لا يقتلوه امام ولده الذي لم يكن قد بلغ التاسعة من عمره وقد تيبس الدم في عروق الطفل واصفر لون،  وجاؤا إلى القارب واخذوا السمك الذي كان قد جهزه للرهبان، وقذفوا به في وجه بوابة الكنيسة المغلقة باحكام، حيث اختلط دمه ولحمه وسمكه بالتراب، وهم يلوحون في وجه الكهنة المذعورين فوق السور، مطلقين صرخة الموت : المجد ليسوع ، والموت لأعداء الرب والنصر للمسيحية، وانا اثرا الرواية تذكرت قوله سبحانه (قل هل انبئكم عن الأخسرين اعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا) 
  وهو موقف محزن نشاهد له نظائر كثيرة هذه الايام عند متطرفي السنة والشبعة معا حتى قيل عندما تسمع اصوات تصرخ بالتكبير  الله أكبر فاعلم انهم يذبحون انسانا ..!! 
مع ان الله انرنا ان لا نستجيب لأي دعوة تتنافى مع الحياة ؛والحياة هنا هي حياة نور العلم والتكنولوجيا وليس علوم القلقلة والعنعنة التي ما انزل الله بها من سلطان قال سبحانه : ( يا ايها الذين امنوا استحيبوا لله ، وللرسوال إذ ااااااا دعاكم لما يحييكم ).
فعندما يتأمل المرء هذه الغلو يقف أمام حقيقة صادمة بأن التطرف ملة واحدة مهما اختلفت الديانات، وعليه نقول للجماعات الدينية أن محاولة إجتثاث فكر الآخر يقوي هذا الأخر ويحييه، وان فكرة الإجتثاث فكر عبثي يتناقض مع جوهر الرسالات السماوية،.
وان إجترار اجتهادات الماضين الهزيلة والسطحية في التكفير والتفسيق والتنجيس يدل على عقم في فكر الإسلام السياسي على وجه الخصوص ..انها اجتهادات تظهر ديناً أو مذهباً معيناً على أنه الحق المطلق وتبحث عن ثغرات ومثالب للطعن بأفكار وقيم يحملها دين أخر أو مذهب ما مختلف بغرض تشويهه أو التشكيك فيه! وينطبق على جميعهم المثل (في النار وبيتحاقرين ).
فكل معتقد هو في عرف أهله وأتباعه الحق المطلق أيضاً وما سواه باطل، ولن تغير المحاجّات المنطقية أو المفاضلات الفقهية هذه الحقيقة ولا حتى وسائل الضغط والغصب والإكراه، هذا إن لم يشكل الاستهزاء بالديانات الأخرى أو تسخير الترهيب والعنف لإجبار الناس على القبول بمعتقد أو مذهب معين، أرضاً خصبة لتصاعد مشاعر البغض والضغينة، ولتدمير روابط التعايش والتآخي بين الناس، وجر الناس نحو حلبات الاقتتال والتدمير! وقد سبقنا المسيحيون في هكذا قتال ودورة انتقام مستمرة تحت شعار حماية الدين، إلا انهم توصلوا أخيرا إلى نظام يحصنهم من هذه الحروب التي حصدت الملايين؛ وهو نظام يوجب حرية الاعتقاد واحترام عقائد الاخرين، وبمنع إستخدام الدين في الاعراض السياسة، مع جعل الدين بين العبد وربه وهو ما دعى إليه الفرآن الكريم، واستدراكاً، ألم يفضي القسر والاضطهاد إلى تقوية تمسك الجماعات بأديانها ومذاهبها وتعزيز تطرفها وتعصبها وتالياً إيمانها بأنها على حق ومن اضطهدها على باطل!
وكم هو واهم من يظن أنه يمتلك الحقيقة المطلقة ؛ هذا الظن الذي يسوغ لصاحبه استخدام كل الوسائل البربرية الهمجية بغية مسح التباينات والفوارق بين بلايين من البشر اختلفت عقائدهم وتجذرت على مر الزمن، وفرض معتقده عليهم؟! ولم لا نتعظ من حروب دموية وعبثية جرت عبر التاريخ بين أديان ومذاهب، وكبدت الحضارة الإنسانية خسائر فادحة، من دون أن تحدث أي تغيير نوعي في اصطفافات الناس وإيمانها بعقائدها؟!
إن تعميم أفكار تطعن بصحة الأديان والمذاهب الأخرى وحقها في الوجود، وتسعير المفاضلة بين المعتقدات والطوائف، وحقن العقول بالتعصب والتطرف، هي محاولة دأبت عليها نخب سياسية وزعامات دينية لتثبيت تسلطها ومصالحها وإلغاء الآخر المختلف أو المناهض لها، متوسلة خلق الفتن وتأجيج نزاعات دينية يكون البشر وقودها ويكون غرضها إشغال منطقتنا المنكوبة بمزيد من الحروب الهامشية التي لن تفضي في نهاية المطاف، إلا الى سحق وتدمير كل شيء، الإيمان والمؤمنين والأوطان والمواطنين.
وبعبارة أخرى، إن إلحاح الحاجة في مجتمعاتنا إلى نشر العقلانية في طرائق التفكير وتمكين الأديان من توضيح نفسها ومن التوصل الى تفاهمات وإجابات توافقية على أزمات الواقع وأسئلته الملحة وفق منطق العصر واحتياجاته، تعترضه زعامات سياسية ودينية أدمنت الجمود والتقليد وتسعى لتحويل العالم الى ساحة للتطرف والتعصب مسعرة الصراعات الطائفية والمذهبية كي تكرس حضورها وامتيازاتها، في رهان على قتل السياسة وعناصر التعايش المشترك، وإلهاء الناس بفتن تشغلها عن ممارسة دورهم الحقيقي في مقارعة التسلط والتخلف والفساد وبناء مجتمع معافى يتشارك القيم الأخلاقية والإنسانية التي تجمع عليها كل الأديان والمذاهب.
صحيح أن الأديان كلها منتجات سماوية، لكنها مرت جميعها بمراحل متفاوتة ومتناوبة من الحروب البينية جوهرها المصالح السياسية، ما يعني أن أخطر ما يهدد المجتمعات وجوهر القيم الدينية، هو استغلال الدين ومؤسساته لتحقيق أهداف سياسية، فآنية المصالح السياسية وأنانيتها تتنافيان مع الغايات والقيم السامية التي جاء من أجلها الدين، ما يتطلب اليوم، ليس فقط فصل ما هو ديني عن السياسي والدنيوي، وإنما الاعتراف بتعددية المذاهب والفرق الدينية، كأحد المؤشرات القوية على درجة احترام رسالة الأديان وحقوق الإنسان، بما هو اعتراف بالعقائد والمذاهب كما هي، واحترام خصوصيتها كما هي، والتحسب تالياً من خطر التدخل في نقدها أو تشويه صورتها، ومن استجرار ردود أفعال تعمق الشحن الطائفي والاحتقان المذهبي، وتترك الباب مفتوحاً على احتمالات بغيضة ومدمرة.
والقصد، إن قبول وتفهم التعددية الدينية والمذهبية باتا ضرورة حيوية لا تقوم للمجتمعات المدنية قائمة من دونهما، وأساسها الطيب أن تكون حرية العقيدة مكفولة لكل إنسان بغض النظر عن خطئها أو صوابها من وجهة نظرنا، فلكل فرد الحرية في اختيار دينه ومعتقده، وواجب الآخرين احترام ذلك.
ويبقى السؤال، أن كل اتباع الديانات الوراثية التي يتلقاها الخلف عن السلف وراثة، هي أديان متساوية لان كل مولود يتربى على دين اوالدية، وعن طريق الالف والعاده ينظر الى الغير انهم كفار، وان ديانته وحدها هي الدين الحق إلى يوم الدين رغم ما ادخل عليها من تحريفات حتى لو عاد نبيهم لما عرف من الدين الذي ارسله الله به شيئا، وبما ان كل صاحب دين ومذهب ونحلة مقلد، وان التقليد جهل، ولا تفاضل في الجهل، فدين الله هو دين الفطرة ، وكل مولود يولد عليه وانما ابواه يهودانه وينصرانه ويسننانه ويشيعانه وووووو والحل هو الاخذ بعلوم وانظمة من ندعوهم كفارا وفساقا وهم من خدم البشرية، بالعلوم النافعة ، وأما المسلمون فقد عم بلدانهم الجهل والتخلف ختى صارت كلمة مسلم رديف لكلمة حيوان مفترس وقاتل وارهابي، ومع ذلك نظن بأننا نحسن صنعا، وقد انبأنا سبحانه عن الاخسرين اعمالا فقل اعز من قائل: ( قل هل انبئكم بالاخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسنون صنعا )
واخيرا أين ذنب من لا يختار دينه بل يفرض عليه تلقائياً من أهله؟! ولعلنا نتذكر القصة المعروفة لطفلين حديثي الولادة تم تبديلهما بالخطأ في أحد المشافي، وكانا ينتميان لأسرتين مختلفتين دينياً، وحين انجلت الحقيقة عبر صدفة طبية، صارا في مرحلة الشباب وتشرب كل منهما دين الأسرة التي عاش في كنفها، وفشلت كل الجهود لإقناع أياً منهما باعتناق دين أهله الحقيقيين، لكنها أظهرت سمو القيم الأخلاقية والإنسانية المشتركة لدى مختلف الأديان!



* من صفحة الكاتب بالفيسبوك

  • مــن نحــن

    موقع اخباري يمني يسلط الاضواء على الاخبار والاحداث اليمنية ، وكذا الاحداث العربية والدولية ، كما يسعى موقع الوفاق نيوز إلى تقديم الحقيقة لزوار الموقع كما هي لا كما يريدها الأخرون

  • تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي