صراع الهوية اليمنية في الجنوب..والتوغل الموحش للمصلحة الشخصية شمالا وجنوبا

نبيل الـصوفي

 رحم الله زهره صالح.

‏النضال لأجل الجنوب كان شعارا لبسطاء الناس، اولئك لذين اقصتهم تقاليد دولة 22 مايو التي غرقتها صنعاء بالهلع.
‏تحت شعارات الجنوب وعلم الجنوب تماسك الالاف من الناس وصارت لحياتهم معنى وقيمة، حتى اصبح علم الجنوب رمزا لانسانهم.
‏وللاسف حتى اليوم لم تتفهم نخب دولة مايو الأمر.
بل حتى مجتمع هذه الدولة لم يفرق بين صراعات السياسة وبين الحاجة الانسانية لمجتمع سحقت قواه التقليدية على يد دولة الحزب الاشتراكي، لكنه اعاد بناء رموزه بطرق مختلفة لان الحزب بالاصل كان اداة شعبية وليس طرفا قبليا مناطقيا رغم كل التهويمات التي تقال ضده.
ورغم تماسك بعض المناطق الا ان غالب نخبة الناس جنوبا كانت تتحقق مصالح وجودهم وفقا لقدراتهم الذاتية الفردية.
فهذا شاعر وهذا فنان وهذا رياضي وذاك صحفي وهذه مهندسة وتلك محامية..
والجميع يعيش ظروفا متشابهة، فقامت الوحدة عاصفة بكل هذا التراتب وانتقلت قيادة الدولة من مقهاية زكو والسكران وازقة كريتر وحوافي دار سعد الى قصور صنعاء المحاطة بالحرس والحراس، البعيدة عن مواطنيها ومصالحهم.
تنافس نخب صنعاء المرتبة بشكل مختلف، اذ للمجتمع شمالا طرقه المختلفة للحصول على مصالحه معتمدا على الشيخ والفندم وطول البقاء في ازقة المعاملات والملاوعات البعيده عن الشعارات السياسية، حتى ان الاخواني موظف في الامن السياسي، والناصري في التوجيه المعنوي لمن يتهمه بقتل الحمدي والشيخ حمود هاشم الذراحي في كل وزارة يراجع بعد ناس وصلوه وهم اصلا من الذين يتهمهم بالزندقة.
وقبل ان يعيد مجتمع الجنوب ترتيب حياته، وجد كل نخبه تلك التي قد كانت في قصور صنعاء وقد صارت مشردة بحال اسوأ منه متهمة بالانفصالية، وكان مايو كانت فقط لتغيير التهمة من الشيوعية الى الانفصالية لانزال نفس العقوبة.
انسانيا، وايا كان تقييم الصراع السياسي، فان كلفة هذا على الجنوب عالية جدا. لذا تصحر الجنوب.
واذا كان السياسي "تقلب"، فهذا كفلته السعودية وهذا عاش في الامارات، واخر انضم للمؤتمر والاصلاح.. فان الانسان العادي وجد نفسه عاريا من كل حماية.
مات احمد بن احمد قاسم ومحمد سعد عبدالله، وتوظف ابوبكر الماس "جلسة"، وانزوى شرف محفوظ يربي عياله، واغلقت راقية حميدان بابها وتلفونها، والاف الرموز الاجتماعية انزوت حتى تلاشت تماما، فيما دولة صنعاء يزدحم حولها كل نافذ يراها مدخلا لطريق من اتجاه واحد.
ظل سيف البقري على قارعة طريق الضالع يعدد سيارات القيادات الجديدة نازلة تعيد في عدن.. ويعدد قيادات جيش الجنوب التي تقضي العيد ولم يعد لديها حتى قيمة "مرق العيد للعيال".
ليست المسألة مالا.. وهذا مالم تفهمه صنعاء، لذا فتحت خزينتها لمراضاة الغضب جنوبا، لتؤكد انها لم تفهم "الحكاية".
هؤلاء الناس يريدون معنى لحياتهم.. وقد وجدوا ان النضال تحت علم الجنوب ينفخ فيهم الروح، هم يبحثون عن توجه يحمل مصالحهم، يريدون ان تتحقق مصالحهم بما لايهتك وجودهم.
"مش" تدفع له مليون وتقول له اجلس ببيتك، بيروح يصرفها ويرجع تائه اكثر، وبدلا من ان تبني معه توجها عاما يصنع حضورا وحياة، انت تحوله الى "مرتزق" وسيوجعك ويوجع نفسه ان قبل.
ولن تحل المشكلة الاساسية.
وللاسف ايها السادة ان المشكلة لاتزال قائمة الى اليوم..
ولايزال منهج استهداف الانسان الجنوبي.
يوم مات "حوات الجنوب"، قلت لنفسي: لن يستقر الجنوب حتى تدرك نخب المصالح ان انسان الجنوب لايزال غير ممثلة مصالحه كما يريد ويستحق.
كان "حوات" اسما مستعارا اشترك مع الاف الجنوبيين باسماء مستعاره منها اسمه هذا في نقاشات ملئت الفضاء.
كانوا يصجون يريدون اسما جامعا يمثلهم، فوجدوا اسم الجنوب.. فمنحوه من اروحهم روحا.
الواحد منهم يشتغل في محل بالسعودية او لاجئ في كندا او طالب في الهند، او حالم باي من هذه في قرى الضالع وشوارع عدن ومقاهي المكلا.. ولكنه يقتطع من جهده وماله ليشارك في حياكة علم التمثيل الوطني.
وفي لحظة ارتباك غبية وبدلا من ابقاء الجنوب بعيدا عن عبث الصراع في صنعاء، زاد ضغط دولة 94 على الناس جنوبا ثم توجته بنقل الحرب الى عدن وفجأة يرى حوات "الحوثي" ممثلا لنا جميعا شمالا ووحدويين، فترك عمله وحمل روحه وعاد مقاتلا..
انتهت الحرب وغادر الحوثي، ومنع التحالف الجنوبيين من اقامة دولتهم، لتعقيدات حقيقية وليس تكرارا لخطأ دولة 94، فتعايش حوات ورفاقه مع الحال.. مدركين ان الاهم حماية التمثيل الجنوبي كحامل لاحلام الناس وعلما لوجودهم.
ولذا فان التحالف ادرك خطورة قرار شرعية دولة حرب الانفصال التي تسمى بدولة الوحدة، حين قررت اقالة عيدروس الزبيدي.
هكذا كانت دولة 94 تفكر.. ويالهي والعجرفة والغرور والبلطجة وعدم تقدير العواقب، لمن ستتركي اذا مشاعر الناس الذين قاتلوا خصمك وخصمهم.. كيف ستتصرفي مع مشاعرهم الانسانية المجردة، سهل عيدروس ممكن توفري له وظيفة لكن ماذا عن الناس، ماذا عن "حوات"؟
ولولا تدخل الامارات تحديدا لكان الانسان الجنوبي لحظتها بين خيارين، القاعدة او الحوثي، هذه اقل مايمكن ان يستقطب غضب الانسان غير السياسي حين يتعرض للغدر والاستخفاف.
استمر الجنوب، بالمجلس الانتقالي، غير أن "حوات" مات، وكم قهرني موته، هكذا لايزال من تقاسم مع علم الجنوب حلمه والمه، لاهو تحول حلقة اتصال سياسي ولا استراح من الاقصاء.
اتحدث عنه كحلم انساني في تمثيل مصالحه ورؤيته، وهي حق.
وللاسف لم اكن قد التقيت حوات، فحين وصلت عدن اتواصلت برفيقه "عنتر علي"، وقلت له اريد محاورته كمواطن، قال لي بلغة معهوده من اي ضالعي ثوري وكل الضالع هكذا، يعاركك في الرأي وانت وهو على مائدة بيته، قال لي عنتر: انتم اعداء، وهو يقيمني من زاوية حرب الحوثي الذي كنا حلفائه.. وهي اللحظة الزمنية التي تصادمت مصلحتي ورؤيتي كمواطن بمصلحة ورؤية حوات وعنتر كمواطنين ايضا، مع اني كنت افرق كثيرا ولكنها دقة ليس المجال هنا لتفصيلها، المعنى كنت اسعى للقاء بمن كنا على طرفي حرب.. وبعد تواصل مرتين وثلاث مع عنتر، انشغلنا بعدها ولم نلتقي ولا ادري اين هو الان.. وسبقني الموت لحوات.
واليوم اسمع خبر موت زهرة..
سيبقى الجنوب انسانا عاطفيا عظيما، والعاطفة سلاح قاطع، سيتعب من يتعبه.
وله في كل يوم 30 نوفمبر اخرى..
رحم الله شهداء الجنوب، واعانه علينا اجمعين شمالا وجنوبا..

  • مــن نحــن

    موقع اخباري يمني يسلط الاضواء على الاخبار والاحداث اليمنية ، وكذا الاحداث العربية والدولية ، كما يسعى موقع الوفاق نيوز إلى تقديم الحقيقة لزوار الموقع كما هي لا كما يريدها الأخرون

  • تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي