قطوف الحكمة من شعر البردوني:

عادل الأحمدي

 قطوف الحكمة من شعر البردوني: "لا يعرفُ اللهَ من لم يعشقِ الوطنا"
 
عادل الأحمدي 
 
أول حكمةٍ استفدتها خلال ليلة تاريخية، قرأت فيها هذا المجهود العظيم، هو أن مشكلتنا الكبيرة أننا لا نقرأ. ودعوني هنا أستخدم التعميم؛ أي بمن فينا نحن الذين يزعمون أنهم يحيطون علما بشعر البردوني. فكثير منا لاتزال استشهاداته بشعر البردوني محصورة على قصائد شهيرة له. 
 
اليوم، وبعد أن أكملت قراءة ديوان الحكمة البردونية، أدركت أنني لم أكن أعرف البردوني جيدا، وكنت قبلها أحسبني ممن يعرفون شعره. والفضل في ذلك، يعود للمجهود الذي بذله الأستاذ الشاعر والكاتب والأديب القدير أمين الوائلي، طيلة خمس سنوات، لكي يقتطف لنا عيون الحكمة من شعر جوّاب العصور، وقد أكد في صفحات الكتاب الأخيرة، أن شعر البردوني كله حكمة، وأنه لو أراد إنصاف البردوني لأعاد طبع أعماله الكاملة، حتى يبدو غير مقصرٍ في اختياراته. 
 
"من أرض بلقيس"، بدأت رحلة الحكمة مع شاعرٍ أعلن في أول قصيدة له، ميلاد شاعرٍ كبيرٍ، قائلاً: "من أرض بلقيس هذا اللحن والوترُ"، وكأن الرائي البردوني، كان يعرف مسبقاً امتداد مسيرته الشعرية العظيمة القادمة التي سوف تلي ذلك الديوان، تماماً كما هو حاله في استقراء العديد من الأحداث والمآلات. 
 
وأن تقرأ له من أول ديوان؛ هذا الكم الكبير من الحِكَم، فهذا دليل عبقرية هذا الشاعر المبكرة، الذي ولد مكتمل التجربة منذ بواكير شعره، وهي مرحلة لا يصل إليها الناس والشعراء إلا بعد مراحل من العمر. ذلك أن الحكمة زبدة الصراع بين الإنسان والحياة، ولا يتنزع حكمة هذا الصراع، إلا الذي اطمئن إلى دقة خلاصته، وامتلك ناصية التعبير عنها، ولقد حاز البردوني كل هذا. 
 
ليس هذا فحسب؛ بل لقد قدّم البردوني الحكمة في قوالب جديدة، لم تعهدها العربية من قبل، فكان أحياناً يقولها على لسان الآخرين داخل قصائده. كما كانت الحكمة تأتي على شكل سؤال وأحياناً على شكل جواب وأحياناً تلبس ثوبها التقليدي، ولكن بمعانٍ غاية في الحداثة والعمق.
 
وأنا أكمل قراءة هذا الديوان العظيم، شعرت أنها لكي تأخذ حقهاً، يحتاج المرء لكتابة دراسة كاملة كمقدمة، يتحدث فيها عن قطوف الحكمة في شعر البردوني، ومراحلها، قياساً بفتراتها الزمنية، وكذلك مجالاتها، فقد قدم البردوني الحكمة الثورية التي تطارد الخوف وتزرع الشجاعة في القلوب وتهزأ من الظلم والظالمين، وذلك في دواوينه الأولى التي سبقت الثورة، وبالتالي فقد كان حكمياته الأولى، زاداً في الطريق المؤدي إلى الـ26 من سبتمبر 1962، والذي امتد بعده خيط الحكمة البردونية، بأسلوب أكثر إبداعاً وإيناعاً في ديوان "مدينة الغد"، الذي تزامن مع معارك تثبيت الجمهورية، (وهو في تقديري ما نحتاج اليه اليوم تماما).
 
ثم راحت حكميات البردوني بعد ذلك تأخذ منحىً تصحيحياً للأمراض الجديدة في مجتمع ما بعد الثورة، حيث حارب الادّعاء والاحتيال والجشع والتصنّع، وصولاً إلى قمة الحكمة التي أودعها دواوينه الأخيرة "جوّاب العصور" الذي يقول فيه:
 
 ... دليل الإرادات ومضُ الخيال
 
ومن وجهة نظري، فقد اينعت تجربة البردوني كاملة في شطرٍ من بيتٍ في ديوانه الأخير "رجعة الحكيم ابن زايد"، بقوله "لا يعرف الله من لا يعشق الوطنا". وذلك في معترك الصراع الفكري مع طروحات جماعات دينية تميّعَ معها مفهوم الوطن. وبالتأكيد فإن البردوني لم يختر عنوان ذلك الديوان من فراغ "رجعة الحكيم"، فعملياً هو الحكيم ابن زايد، وفي نفس الديوان يقول واصفاً نفسه:
 
أعمى وزرقاء اليمامة حيّةٌ
فيهِ، ترى من "سربةَ" "الأحقافا"
 
و"سربة" تقع في ذمار بينما تقع "الأحقاف" في حضرموت.
 
*
هذا الديوان البردوني العظيم الذي جمعه أمين الوائلي "ابن حزم" العدين، يحتاج إليه كل فردٍ في المجتمع: يحتاجه القائد لأن فيه حديثاً عن خصائص القائد الحقيقي، وواجبات الريادة وتبعات ما بعد النصر:
 
إن الزعامة قوةٌ وعدالةٌ
وشجاعة سمْحا، وقلبٌ حاني
 
وقوله:
 
إن من لا يُحيي من العمر دهراً
من معانٍ، لا يستحق الولادةْ
 
خير روادِ كلّ قومٍ عظيمٌ
مات موت الندى لتبقى الريادةْ
 
كما يحتاج إليه الثائر والتاجر والطالب والمرأة وقبل ذلك كله، يحتاج إليه من يصنع الاستراتيجيا الثقافية للبلد، لأن جملة الأمراض التي عالجها البردوني حِكَمياً عبر 12 ديواناً، هي ذاتها الأمراض التي استشفها فينا كمجتمع يمني. ولهذا قلت في بداية كلامي، إننا لم نقرأ البردوني جيداً، رغم كونه الشاعر الأشهر في حياتنا، لأننا لو قرأناه لما استمرت تلك الأمراض تقيّد حياتنا حتى أطل لصوص الحياة من جديد، ووقعت البلاد بين عشية وضحاها في يد غرمائها التاريخيين.
 
إلى ذلك، يهدي البردوني في هذا الديوان، الذي جمعه الأستاذ الوائلي، حِكماً للحكماء:
 
وإذا صارعت قوى العقل قلباً
عبقرياً زادت قواه قواءَ
 
ويذكر أيضاً أهمية الحكيم والفيلسوف في أي مجتمع حيث يقول:
 
لن تكوني باريس من غير "روسو"
لن تكوني بلا "أرسطو" أثينا
 
وكمثال على عبقرياته الحكمية التي تجمع بين عمق الدلالة وحداثة التشبيه:
 
هذي الفجاج كأنثى ما لها رحمٌ
هذا الزحام رجال ما بهم رجلُ
 
يمضون يأتون كالأبواب ما خرجوا
من أي شيءٍ ولا في غيره دخلوا
 
*
الحكمة "ضالّة المؤمن"، وهي ذروة سنام الشعر، وزبدة تجربة الكاتب والشاعر والأديب، وحِكَم البردوني ليست على نسق "لامية العرب" وإن كان فيها أحياناً سياقات مشابهة، كما أنها أيضا ليست على طريقة صالح بن عبدالقدوس الوعظية، ولا تقريرية زهير بن أبي سلمى، ولا جفاف المعري. البردوني حكمتُه تشع بالدهشة الشعرية والفتح الشعري المبين، وبالتالي فقد أعطى الحكمة ضوءاً إلى ضوئها، إضافة إلى أنه كما أسلفنا قولبها في قوالب لم تعهدها العربية من قبل:
 
لا اجتدي منك السنا مادام لي
شوقٌ، فسوف يضيئُني إحراقي
 
ليست أبيات ديوان الحكمة لدى البردوني، عبارة عن خلاصات حكمية حياتية يانعة وحسب، بل إن المجهود المبذول أمامنا يحفل بالعديد من اللآلئ المبنية على تأمل عميق وفلسفة مغايرة، وذلك في جوانب عدة من الحياة، يصلح كل جانب منها، أن يكون موضوع دراسة مستقلة. فمثلاً أثناء تتبعنا لرؤيته لمفهوم الزمان نجده في دواوين متباعدة ممسكاً بذات الخيط التأملي المغاير؛ بدءاً من قوله في قصيدة زمكية: "المكان الآن والآن المكان"، ثم يصل في ديوان آخر للقول:
 
فلا الأمس قبل اليوم، لا اليوم بعده 
ولكن جرت بالتسمياتِ العوائدُ
 
ويقول في ديوان متأخر:
 
اليوم يصبح أمساً بعد أمسيةٍ
ما أسأم العمر لو لم تحدُثِ الغِيَرُ
 
مع ذلك فهو يؤكد أيضا:
 
كيف أنسى الأمس واليومُ ابنه
والغد الآتي وليدُ الحاضرِ
 
 مسار آخر بديع ممتد في دواوين أترك تتبعه للقارئ، يربط فيه البردوني المجد بمحبة الشعب، وعشق الوطن كشرط لازم للتألق والخلود.
 
سيجد القارئ الحصيف، في قطوف الحكمة هذه، مفتاحاً للدخول إلى إعادة قراءة البردوني واكتشافه بطرائق عدة، منها ما اختطه أمين بأسلوبٍ أمين، لا تنقصه الذائقة الرفيعة، وقبل هذا وبعده، لا ينقصه تواضع الكاتب الذي قدّم جهده بكل تواضع آخذاً بنصيحة البردوني حين قال:
 
لأنّ بابَ السرِّ في 
وجهِ الغرورِ مغلقُ
 
فكان تواضع أمين الوائلي، مفتاحاً للدخول إلى أسرار البردوني. ونحن في مركز نشوان الحميري للدراسات والإعلام، حين تحمسنا لإصدار الطبعة الثانية من هذا الكنز الأدبي الجميل، بمقدمته الضافية لأستاذ الأجيال المفكر والشاعر والناقد الكبير الدكتور عبدالعزيز المقالح، هالنا ما وجدناه في هذا الكتاب "الديوان". هذا الإدهاش وهذه الروعة والقيمة الوطنية التي تحتاجها اللحظة اليمنية الحرجة.
 
ويأتي صدور الكتاب في طبعته الثانية، بالتزامن مع صدور كتاب الدكتور عبدالعزيز المقالح عن حكيم الثورة حسن الدعيس، كما يأتي متزامنا مع الذكرى ال21 لرحيل صياد البروق البردوني، وإطلاق موقع البردوني على شبكة الانترنت، وعلى مقربة أسابيع قليلة من العيد ال58 للتورة السبتمبرية الظافرة.
 
*
حقيق بكل أبٍ أن يحرص أن يقتني أبناؤه هذا الكتاب، ويحفظوا درره، كمفاتيح للدخول إلى كافة دواوين البردوني، ذلك أن الدخول إلى هذه الدواوين، معناه امتلاك التاريخ والعاطفة والموقف في آن واحد. 
 
وحريٌّ بكل شاعرٍ وأديب وكاتبٍ أن يحرص على هذا الكتاب (الديوان)، لأنه سيمدُّه بذخيرة حِكَمية تقوي شعره ومقالاته واستشهاداته وقبل ذلك كله، سوف يحدث تغييراً بنسبة أو بأخرى في مسار حياته. ذلك أنني أزعم أن كلاً منا، سيجد في بيتٍ أو عدة أبيات من هذا الديوان، ما سوف يغيّر حياته للأبد.
 
مقدمة الناشر
2 سبتمبر 2020

  • مــن نحــن

    موقع اخباري يمني يسلط الاضواء على الاخبار والاحداث اليمنية ، وكذا الاحداث العربية والدولية ، كما يسعى موقع الوفاق نيوز إلى تقديم الحقيقة لزوار الموقع كما هي لا كما يريدها الأخرون

  • تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي