لماذا لا يحب الناس القمم؟

هايل المذابي

 

إن للخوف طبيعة مختلفة، هذه الطبيعة يشترك معها الغباء أيضاً والعجز، فسيكولوجية غريزة البقاء لها امتدادات منها الخوف، والغباء، والعجز، والجريمة، وكل هذه تفرض على المرء نمطاً خاصاً، في طريقة حياته، بدءاً من أعلى مؤسسة في المجتمع بما تحتويه من أفراد وحتى أدنى طبقات المجتمع، فالرئيس وزمرته يفكر بنفس طريقة الإرهابي والمجرم والقاتل والبغي، والفقير يتصرف نتيجة قلة حيلته وفقره مجبراً بنفس الطريقة، هؤلاء جميعا يفكرون بطريقة واحدة تفرض عليهم اختيار العوالم الدنيا حتى في سكن العيش.
كيف؟
الرئيس وزمرته من مسئولين وغيرهم تفرض عليهم سيكولوجية الخوف اختيار الطبقات السفلى للحياة والإقامة، وهذا نتيجة طبيعية حين يكون الحاكم فاسدا وظالما فتطور السلاح يفرض عليه الخوف من القمم والسكن فيها. بل إن هذا الخوف يفرض على هذه الطبقة اختيار مكان السكن، وحتى تفاصيل الأبنية المحيطة به، والتي يجب ألا تكون مرتفعة إطلاقا، بل تكون في مستوى موازٍ لسكن هذه الطبقات.
الإرهابي والمجرم ودور البغاء والقاتل المطلوب في القصاص والثأر تفرض عليهم سيكولوجية الخوف نفس ما يفرض على الطبقات العليا في المجتمع مع احتياطات اكثر احترازا، مثلا، نجد هؤلاء مع تفضيلهم واختيارهم للطبقات الدنيا للحياة والسكن، نجدهم أيضا يستخدمون نمطا يمكن ان يكون متشابها إلى حد كبير في طبيعة وتفاصيل سكنهم فالأقفال التي يضعونها على الأبواب إيهاما بأن السكن خاليا ولا يوجد به أحد، ولا يعرف بذلك سوى أشخاص محددون، هم عملاء وزبائن بالنسبة للبغي، وهم مساعدي الإرهابي وجماعته، وهم أصدقاء المجرم والقاتل وخادموه، عدا ذلك نجد انهم يستخدمون لونا معينا لتلك الأبواب يختارونه بعناية حين يقومون بعملية طلاء الأبواب. 
بالنسبة للأذكياء والشجعان والعادلون في أعمالهم وحياتهم نجدهم نتيجة لذلك يفضلون المقدمة والأعالي، دائماً، والحديث لا يشمل ما قد تفرضه الحياة أحيانا من اختلافات، وحتى في عالم الدراسة وقاعات المحاضرات نجد أن الطلاب الأذكياء المجتهدين والمخلصين يفضلون المقدمة وأما الأغبياء فنجدهم يفضلون الصفوف الأخيرة، وهذه المقدمة والصفوف الأخيرة يعادلها القمم والعوالم السفلية، بل كأنها تصبح امتدادا لما سوف يعيشونه لاحقاً من حياة، حيث يصبح الأذكياء المجتهدون في القمم والأغبياء المشاغبون في العوالم السفلية حتى في عوالم الوظائف، باستثناء المجتمعات الفاسدة التي تنتهج مؤسساتها سلوك الفساد، فتجعل المتفوقين في أسفل الهرم الوظيفي والأغبياء نتيجة وجود من يدعمهم في القمم من هذا الهرم. 
ولا يختلف هذا المنطق في حالات الحروب، فهذه الأخيرة، نتيجةً للخوف، تفرض على المواطنين الخائفين اختيار العوالم السفلية للإقامة، كالملاجئ، وبدرومات المنازل.
وحول منطق الذكاء، والشجاعة وسيكولوجيتهما التي تفرض اختيار القمم والأعالي كسلوك، دائما، يقول الشابي "ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر".
إن القاسم المشترك الأعظم الذي تشترك فيه جميع الكائنات هو "دافع البقاء"، وكل فعل لدى أي كائن يفعله بدافع "البقاء" لكن ما يحدث من تفاوت سببه هو الرغبة، فقد نرى نمراً جسوراً يركض خلف غزال، وقد نرى الغزال تسبق النمر، فهل هذا يعني أن الغزال أقوى من النمر؟ 
إن كلاهما يتصرف بدافع البقاء، لكن "الرغبة" لدى الغزال في البقاء، أكبر من رغبة النمر، الذي يركض أيضا بدافع البقاء ورغبة في الحصول على طعامه، لكن الرغبة الأكبر لدى الغزال هي ما تجعله يركض بسرعة اكبر من النمر الأقوى لينقذ نفسه.
وهذه السرعة لدى الغزال تماثل الطبقة السفلى التي يختار الخائفون الحياة فيها دائما.
ولا يختلف الأمر حتى في أساليب التعاملات الحياتية، فنجد ان ذوي العوالم السفلية، بتعدد أشكالهم، يستخدمون الأساليب الرخيصة والأدنى إلى أبعد أحد، وذوي العوالم العليا، بتعدد أشكالهم، يستخدمون أساليب لا تنم إلا عن رقي فقط.
وفي مؤسسات العلم، نجد ان هذه السيكولوجية، تفرض، بعيدا عن الغش والخداع، نمطاً واضحا حتى على طالب العلم، فنجد ان التفوق وهو يماثل القمم، يفرض على الطالب الذكي، أسلوبا راقيا في الطرح والمعالجة، ومواضيع تماثل القمة والرقي والتميز دائما، بخلاف الفاشلين والأغبياء، حيث يكون الأسلوب التافه في الطرح والمعالجة هو السلوك الذي يعرفون به، وكذلك المواضيع التي يختارونها في موادهم المطروحة للمناقشات والأبحاث التي يقدمونها.
وفي سياقات كبرى نجد أن رأس الحكومة المتفوق يستطيع ان ينقل بلاده في فترة زمنية قليلة إلى حيث الأعالي والقمم، في حين أن الفاسد من هذه الطبقة لا يستخدم إلا حلولا تافهة لمعالجة مشاكل البلاد، فإن كانت بلاده في طبقات منحطة فإنه يجعلها في فترات زمنية طويلة في طبقات أشد انحطاطا حتى ولو ظهر للآخرين غير ذلك لإن الانحطاط عادة لا يظهر على السطح، بل ضمنيا في تفاصيل الداخل، تماما كالمرأة القبيحة حين يكون الماكياج حلا لما تعانيه من قبح.
إن سيكولوجية الخوف تفرض ما هو أكثر من ذلك، فنجد ان من يختار العوالم السفلية، حتى فيما يفكر به، تجعله يختار الماضي لإنقاذه من خوفه وفشله وعجزه عن التفكير، فيكون الماضي مساوياً للعوالم الدنيا، خوفا من الصعوبة التي يقتضيها التفكير المركز، الذي تقوم عليه الحضارات، وحبا في الراحة الذهنية، اما الأذكياء والمتفقون فيختارون المستقبل دائما، ويعادل هنا القمم والأعالي، وهؤلاء فقط من تقوم بهم الحضارات الإنسانية وتستمر.
إن سيكولوجية الخوف تفرض على المجتمعات البقاء في طبقات التقليد والإتباع الدائم، لإن ما يفرضه المستقبل والقمم عليها أصعب وأشق، لكن النتائج لا تقول إلا ان الإتباع والتقليد، هو الباهظ دائما في نتائجه، لإن المجتمعات في نهاية المطاف، لن تجد لها هوية سوى هوية الماضي والعوالم السفلية. فتبدو مغتربة تماما عن ذاتها.
 إن حال العالم في معادلة القمم والعوالم السفلية والتفكير في المستقبل والحاضر والماضي، سيكون حال بناية عظيمة، ومن يفكرون في المستقبل يسكنون القمة فيها، ومن يفكرون في الحاضر يسكنون في الطبقات الوسطى، ومن يفكرون في الماضي يعيشون في قبو هذه البناية.
 
 

  • مــن نحــن

    موقع اخباري يمني يسلط الاضواء على الاخبار والاحداث اليمنية ، وكذا الاحداث العربية والدولية ، كما يسعى موقع الوفاق نيوز إلى تقديم الحقيقة لزوار الموقع كما هي لا كما يريدها الأخرون

  • تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي