تركيا تنفر نحو ليبيا وعينها على اليمن

محمد ناجي أحمد

تركيا تنفر نحو ليبيا وعينها على اليمن



 تبدأ يقظة الوعي القومي العربي بحسب رسالة أنجلز إلى ماركس ،والمؤرخة بـ6حزيران 1853م –منذ “ان طُرد الأحباش (من اليمن)كان قبل محمد بنحو أربعين سنة (في منتصف القرن السادس)وكان بداهة أول عمل لتيقظ الوعي القومي العربي الذي حثته الغزوات من الشمال مندفعة حتى مكة تقريبا”ص18-تاريخ مسيرة الشعوب العربي-ج2-د.اميل توما –دار الفارابي1979م.
إذا كانت الوهابية في مواجهتها للاحتلال العثماني تأتي جزءا من هذه اليقظة “ولكن شتان ما بين التيقظ القومي ،والحركة القومية. ولهذا لا يمكن اعتبار الدعوة الوهابية دعوة قومية ،ولا يمكن نسبتها إلى الفكر القومي نسبة حقيقية”ص18-المرجع السابق. بل إن الحركة الوهابية والدولة السعودية الأولى والثانية والثالثة بمراحلها المتعددة كانت ومازالت من أولوياتها إسقاط كل توجه وحركة عروبية، ولهذا تنبه لخطورتها محمد علي باشا ،الذي كاد أن يجتثها. فقد عملت في خمسينيات وستينيات القرن العشرين على مواجهة المد التحرري الذي قاده الرئيس جمال عبد الناصر ،فكان لها دور رئيسي في انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة ، ودور مباشر في استنزاف مصر في اليمن بعد ثورة 26سبتمبر1962م، ودور في الضربة القاصمة التي تعرضت لها مصر وسوريا والأردن وفلسطين في 5 يونيو 1976م.
حين بدأت نهضة محمد علي باشا من عام 1805 إلى 1840م كان للصراع بين السلطنة العثمانية والمماليك وبريطانيا وهزيمة فرنسا – دور في ممكنات نجاح محمد علي باشا في السيطرة على الحكم في مصر. فبريطانيا كانت ترى في الوضع المائع فرصتها للسيطرة غير المباشرة على مصر عن طريق المماليك، لكن الشعب المصري غيّر التوقعات والترتيبات ،فقد خرجت مظاهرة كبيرة في القاهرة ،اشترك فيها المشايخ والعامة “وكان الهتاف “يا رب يا متجلي اهلك العثملي” وهو هتاف فيه مؤشرات الصحوة العربية.
النفير نحو ليبيا والأهواء نحو اليمن:
تعلم تركيا أهمية ليبيا لبريطانيا والولايات المتحدة وإيطاليا ،وبالتالي فإن الدور المنوط بها لن يكون متعلقا بتحقيق مصالح تركية في ليبيا، وإنما هي ورقة ضغط لتجد لنفسها حيزا من المصالح الاقتصادية في البحر المتوسط تمرر من خلاله أنابيب غازها ،ولتحقق مصالح سياسية وحيزا من الحضور والنفوذ في اليمن.
أسرعت إيطاليا إلى غزو سواحل ليبيا في 28 أيلول 1911م، فكان موقف تركيا إهمال طرابلس الغرب، وترك القبائل الليبية تواجه مصيرها منفردة أمام آلة حرب متطورة تملكها إيطاليا!
سحبت تركيا قواتها من ليبيا لتواجه بها الثورة المحتدمة ضدها في اليمن. وصرح زعماء الاتحاد والترقي غير مرة بأنهم لن يريقوا دم عسكري واحد لصيانة طرابلس الغرب من اعتداء إيطاليا أو فرنسا أو أمريكا…وكتبت جريدة (طنين)الصادرة في تركيا “إن طرابلس الغرب من الولايات التي لا تفيد الدولة فائدة مالية، وعلى الحكومة العثمانية الاقتصاد في الإنفاق عليها “ص133-المرجع السابق.
وبناء على ذلك فقد اعترفت الحكومة العثمانية في تشرين الأول 1912 باحتلال إيطاليا لطرابلس الغرب ،وفي تموز 1913م وآذار 1914م تنازلت الحكومة العثمانية عن قطر والبحرين والكويت واعترفت بحقوق الملاحة البريطانية في شط العرب ومنحت بريطانيا حق الملاحة النهرية، واعترفت بنفوذ الغرب اقتصاديا في العراق وسريا…وإزاء هذه الأحداث ،وهذا التخلي ،والبيع الذي مكّن الغرب في المنطقة العربية ،وهو الدور الذي تستمر تركيا في أدائه إلى اليوم-إزاء هذا التخلي والخيانة للعرب وسياسة التتريك العنصرية والمركزية المستغل للعرب والمنطقة العربية كانت الصحوة العربية ،فتشكل المنتدى العربي برئاسة عبد الكريم الخليل وعبد الحميد الزهراوي، وتشكلت لجنة تنفيذية في مصر لتنفيذ مشروع المنتدى من أحمد تيمور باشا ورفيق العظم والدكتور شبلي شميل.
وكان الاحتفال الذي حدد فيه عبد الكريم الخليل الأمة العربية ووحدتها بأنها” وحدة اللسان ووحدة التاريخ ووحدة الوطن ووحدة المنفعة” ص137-المرجع السابق.
وقد بعث عبد الكريم الخليل حينها برسالة إلى الإمام يحيى والأمير عبد العزيز بن سعود ،فكان الرد والتجاوب من الإمام يحيى برسالة تجمع بين العروبة والروح الدينية ،فقد شرح في هذه الرسالة ظلم العثمانيين وتخريبهم الديار وقتل اليمانيين ظلما، إلى قوله “إذا ذل العرب ذل الإسلام” ص138-المرجع السابق. فلقد كانت عروبة الإمام يحيى خاضعة للدين.
إن مكانة اليمن واليمنيين ونضالهم ضد الظلم والعسف العثماني حاضرة في الوعي العربي ،فقد تجاوبت الطليعة العربية مع أحداث اليمن في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، من القرن العشرين، فالطليعة العربية بادرت إلى الدفاع عن الثائرين في اليمن، وواجهت حملة تشويه سمعة اليمنيين ،حين كتبت جريدة(اقدام)1910م التركية ،ووصفت اليمنيين بأنهم “يعبدون المال وأنهم في سبيل المال يضحون بكل شيء حتى بأعراض نسائهم “ولذلك ثارت الصحف العربية في سوريا والعراق منددة بالعصبية التركية ،وتدافع عن اليمنيين شعرا ونثرا، وتكيل الصاع صاعين.ص138-المرجع السابق. وقبل ذلك كان صاحب كتاب (مصارع الاستبداد)وكتاب (أم القرى)عبد الرحمن الكواكبي قد تواصل مع الإمام محمد بن يحيى مُبديا رغبته في التعاون مع الثورة اليمنية ،وإحياء المؤلفات الفكرية اليمنية وإعادة طباعتها…
فهم العرب موقف الترك وتخليهم عن ليبيا لصالح الاستعمار الإيطالي “إن الترك قد سلموا العرب لأعدائهم”ص141-المرجع السابق.
إذا كان هذا هو حال البرجوازية الصغيرة في تركيا آنذاك فكيف وقد أصبحت في أيامنا هذه رأسمالية تابعة للشركات الغربية !هذا يعني أنها بلا مشروع يخصها ،وإنما هي ضمن المشروع الغربي المشابه للدور الوظيفي السعودي في المنطقة!
حين تمكن الاستعمار البريطاني والفرنسي من السيطرة على سوريا والعراق وهزيمة الدولة العثمانية –تحرك عرب سوريا والعراق للاتفاق مع مصطفى كمال أتاتورك للتعاون في مواجهة فرنسا وبريطانيا ،لكن فرنسا تواصلت مع أتاتورك ووعدته باستقطاع لواء الأسكندرونة ليكون ضمن السيادة التركية ،فما كان من أتاتورك إلاَّ أن تخلى عن تعاونه مع الثوار العرب في الشام ،فكانت هزيمة 1920،التي كانت مذبحة للعرب راح ضحيتها الثوار وفي مقدمتهم يوسف العظمة وزير حربية حكومة الملك فيصل.
كان التقارب التركي مع الاستعمار البريطاني الفرنسي تعبيرا عن البرجوازية الحاكمة في تركيا، ولهذا وقفت تركيا أتاتورك ضد جميع الحركات الثورية العربية…
إن تحركات تركيا هذه الأيام ،ونفيرها للتدخل العسكري في ليبيا هي تحركات وظيفية في خدمة الغرب، وبحث عن حيز لها في المنطقة بشكل عام وفي اليمن بشكل خاص، فليبيا مقسمة من حيث المصالح الاقتصادية بين الدول الغربية، ومصر المطلوب منها أن تظل في حالة ضعف شديد، وداخل أزماتها السكانية والاقتصادية، دون دور فاعل في محيطها العربي.

  • مــن نحــن

    موقع اخباري يمني يسلط الاضواء على الاخبار والاحداث اليمنية ، وكذا الاحداث العربية والدولية ، كما يسعى موقع الوفاق نيوز إلى تقديم الحقيقة لزوار الموقع كما هي لا كما يريدها الأخرون

  • تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي