رحم الله الجواهري ورحم الله البردوني وما اعظم تواضع العظماء الكبار !

حسن الدوله

 مع الحياة 
للرائي خالد الذكر عبدالله البردوني قدس الله روحه
كنت احفظ بيت من هذه القصيدة؛ وهو ذلك البيت الذي يعبر فيه عن شدة الرقابة المجتمعية والدينية والسياسية حيث صار كل شىء محرما وصار حرام عليه حتى جهنم - هذا البيت - بيت القصيد - صار متداولا حتى نسي الناس القصيدة وبقي بيت القصيد :
 
لم أجد ما أريدُ حتى الخطايا
أحَرامً علي حتى جهنم
 
فبحت عن القصيدة في دواوينه فإذا بكل بيت فيها هو بيت القصيد توسل البردوني في سرد رائعته هذه لغة شاعرية سلسة انسيابية تراجيدية تفيض ألما وحزنا ، وما ان عثرت على القصيدة حتى بادرت إلى نقلها لكم حيث قدم الشاغر لها بكلمات تذيب الوجان حيث سلسل هذا النغم الحزين على سرير المرض بالمستشفى وهو " يتأرجخ بين نهاية الألم الشديد ، وبداية الصحة الضعيفة !! وكانت في نفسه خواطر تضطرب اضطراب النوج ، وفي خواطره قلق يتململ تململ الموج ، وفي خواطره قلق يتململ تململ الأسد الجريح ، وفي صدره خفقات تجيش كما تجيش الحميم المكظوم ، وكان الليل وراء النافذة صامتاً كأنه قتيل ، فلملم الشاعر هذه الأفكار من حواشي الليل بين ذراعي الأرض الهامدة ! هكذا تألم الشاعر ، وهكذا ترجم ألمه ومن لم يتألم فليس بشاعر ، ومن لم يفصح عن ألمه فليس بنوهوب ، ومن لم ينشر ما افصح عنه فليس بشجاع !" 
 
يا حياتي ويا حياتي إلى كمْ
أحتسي من يديكِ صاباً وعلقم
وإلى كم أموت فيك وأحيا 
أين مني القضا الأخير المحتم ؟
إسلميني إلى الممات فإني
أجد الموت منكِ أحنى واررحم
وإذا العيش مان ذُلاً وتعذي
باً فإن الممات أنجى وأعصم
ما حياتي إلا طريقٌ من الأش
واك أمشي بها على الجرح والدم
وكأني أدوس قلبي على النَّا
ر وأمضي على الأنين المضرَّم
لم أفت مأتما من العمر إلا 
وألاقي من بعده ألف مأتم
وحياة الشقاء على الشاعر الحس
اس أدهى من الجحيم وأدهم 
-***-ا
وأنا شاعرٌ وما الشعرُ إلا 
خفقاتي تذوب شجواً منغم
شاعرٌ صان دمعه فتغنَّى
بلغات الدموع شعرا متيم
علمته الطيورُ احزانها البَكم
ما فغنى مع الطيورِ ورنَّم
-***-ل
إيه يا شاعر الحياة وماذا 
نلت منها إلا الرجاء المهشَّم
أنت باكٍ تحنو على كل باكٍ 
أنت قلبٌ على القلوب مقسَّم
قد قرأت الحياة درسا فدرساً
وتجليَّت الحُطام والذلِّ والدم
طيبُها للئام لا الملهم الشا
دي وهيهات أن تطيب لملهم
-***-ب
أيُّ هاذي الحياةُ ما أنت إلاَّ
أملٌ في جوانح اليأس مُبْهَم
-***-ر 
يا حياتي وما حياتي وما معنى
وجودي فيها لأشقى وأُظلم
ربَّ رحماك فالمتاه طويلٌ
والدُّجى في الطريق حيرانُ ابكم
قد اتيت الحياة بالرغم مني
وسأمضي عنها إلى القبر مرغم
أنا فيها مسافرٌ زاديَ الأح
لامُ والشعر والخيال المجسم
وشرابي وهمي ، وآهي أغاري
دي ونوري عمىَ الظلامِالمُطَلسَم
ليس لي من غضارة النور لحظٌ
لا ولا في يدي سوى الظُّفر درهم
ليت شعري مالي إذا رمت شيئاً 
حال بيني وبينه القفرُ واليم
 لم أجد ما اريدٌ حتى الخطايا
أحرامٌ عليَّ حتى جهنم
كل شييءَّ أرومه لم أنله
ليتني لم أُرِدْ ولا كنت أفهم
أنا أحيا مع الحياة ولكن 
عمري ميتُ الأماني محطم
ليتني - والحياة غرمٌ وغنمٌ -
نلت من صفوها على العمر مغنم
 
******************************
رحم الله شاعر اليمن الكبير الذي يتعرض بين الحين والأخر إلى تشويهه من قبل اطفال متطفلين على الشعر فينحلونه قصائد لا تمت للشعر بصلة دون ان يدركوا ان البردوني كان مسكونا بقلق المبدع، والفيلسوف الملهم .. مسكونا ببصمته الخاصة التي لا يستطيع احد ان يقلدها ، وبصوته وإيقاعه الخاص، صوت المترنم الشادي الذي يبحث عن الحرية في اسمى معانيها ، الشاعر الذي قرأ الحياة درسا فدرسا واستظهر الغيب :
ليس لي فوق ما أضأت زيادة
كل غيب كاشفته اضحى شهاده
 
وارجو من القارئ ان يقف عند معنى كل بيت لإستكناه بواطنه محاولا أضاءة جوانبه ومعانيه ومراميه للوقوف امام جمالياته اللغوية والأسلوبية والبلاغية التي تميز البردوني عن مجايليه من الشعراء ، وسيعرف ان البردوني من أولئك الشعراء الذين شغلوا الناس احياء وامواتا لما يتمتع به من عبقرية في ابداع النص الادبي ، وكنتاتمتى انني امتلك ادوات النقد التي تؤهلني الوقوف امام كل بيت متاملا متدبرا معانيه ومراميه وابعاده لان النص يظل علامة ساكنة إلى أن يأتي من يحرك هذا السكون وهو الناقد المؤهل ؛ وكاتب هذه السطور بضاعته في هذا المجال مزجاة .. لان الناقد هو من يحرك سكون النص ويقدم مفاتيح فك شفراته للمتلقي او القارئ وفقا لمبدأ فهم الفهم او فهم معنى المعنى الذي الذي يحمل في دواخله جدل الفلسفة والتنقيب عن ما هو جديد وإضافي وكأن لسان حاله على النحو الذي حدده طاغور إنني على إستعداد لأن افتح نوافذي في وجه جميع الرياح لكن شريطة ألا تقتلعني هذه الرياح من مكاني فلابد من القراءة الهرمينيوطيقية - التأويلية - كما في المنهج الذي اختطه الفيلسوف جادامير والبحث في النص عن الجديد في اطار الموروث ..وبذلك سنعلم ان البردوني لم يكن مجرد اديب وشاعر بل إنه فيلسوف بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، ولقد استمعت في اذاعة مونت كارلوا إلى مقابلة مع الشاعر الراحل محمد الجواهري الذي سأله المذيع :بأداعتبارك أخر عمالقة الشعر العمودي من ترشح أن يكون بعدك ؟ فكان رده لقد ظلمتم اشعر شعراء الشعر العمودي وهو الشاعر الحكيم معري العصر الذي يستطيع بنفسه لا بغيره كما كان ابو العلاء المعري أنه الشاعر اليمني المبصر عبدالله البردوني ! رحم الله الجواهري ورحم الله البردوني وما اعظم تواضع العظماء الكبار !

من صفحة الكاتب بالفيسبوك 




 

  • مــن نحــن

    موقع اخباري يمني يسلط الاضواء على الاخبار والاحداث اليمنية ، وكذا الاحداث العربية والدولية ، كما يسعى موقع الوفاق نيوز إلى تقديم الحقيقة لزوار الموقع كما هي لا كما يريدها الأخرون

  • تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي