أنسنة الدين وعلمنة الدولة

حسن الدوله

 
 
قال في كتابه الشهير الموسوم ب :" نهاية التأريخ " الفيلسوف الأمريكي فوكو ياما: (أن الليبرالية ليست النظام الأفضل ولكنها ستظل كذلك طالما وأن هناك من ينتقدها) وهذه الميزة عكست نفسها على العلمانية الغربية التي اضحت قادرة على التجدد الذاتي حتى لا تقع في شرك الاغتراب مع واقعها. فالعلمانية لم تكن في يوم من الايام  ايديولوجية ضد الدين ولم تكن فلسفة مغلقة على مقولات صلبة لها مسار فكري واحد، بل تفاعلت مع واقعها الاجتماعي والثقافي ومع الدين كظاهرة إنسانية واجتماعية، ورأت في بعض الأوقات الاستجابة له سوسيولوجياً كحال النموذج الألماني المعاصر مثلاً. فالتنظيم السياسي للمجتمع والدولة في دستور جمهورية ألمانيا الاتحادية يدلل على استفادة ألمانيا المعاصرة من الموروث الفلسفي في عصر التنوير وتراث الإصلاح الديني والتنظيم الديمقراطي في بناء الكنيسة، ما جعل البعض يتحدث عن نوع علماني إلماني خاص يطلق عليه "العلمانية المؤمنة".
 
فاكثر من اربعة اخماس دول العالم تطبق النظام العلماني كل دولة بحسب طبيعة ظروفها ؛ فنحن لسنا أمام نموذج واحد للعلمانية، بل عدة نماذج كل منها متشبع بخصوصية مجتمعه ومستلهم من تجربته وتراثه الخاص الثقافي بما في ذلك الديني، وإن انطلقت من فرضية أساسية وهي الثقة بقدرات العقل والاعتداد به في إدارة شؤون الفرد والجماعة.
 هكذا التقت هذه النماذج عند الانحياز للفرد كذات مستقلة في مقابل المجموع. فالفرد كذات مستقلة له حقوق تجاه الجماعة كما أن عليه واجبات. فالعلمانية كرؤية للعالم تشابكت مع الكهنوت الديني الذي ضيّق على الإنسان تجربته الدينية خارج أتون السلطة الدينية، فجاهدت من أجل صناعة حواجز تصون للفرد ذاته، بكل ما تشمله من جسد وروح ووعي، حيال محاولات الإكراه.
 
فالدين الإسلامي والحمد لله هو الدين الوحيد الذي بنص كتابه المقدس - القرآن الكريم -  على أن لا إكراه في الدين وان كل يعمل على شاكلته بل حد التخيير ببن الكفر والإيمان لكنه حبب إلى قلوب معتقديه الإيمان مع بقاء حرية الإعتقاد باعتبار الدنيا دار ابتلاء .. ووفقا للنص القرآني فأنه  يلتقي مع العلمانية في تحريم الإكراه، باعتبار الدين شأن خاص بين العبد وربه، والدولة تتعامل مع الفضاء العام، ولا تحكم العلاقة بين الهبد وربه ؛ فالله اختص لنفسه علم من ضل من عبادة ومن اهتدى؛ كما ان الله سبحانه لم يعط احدا من الناس سلطة دينية على أخية الإنسان مهما علا كعبه في الدين.
ونحن إذ ننادي برفع القيمومة على دين الحي القيوم على دينة نعلم أن الجماعات والاحزاب الدينية وفقهاء الدين قد شوهوا مصطلح العلمانية حتى جعلوه  رديفا للكفر،
وقد قال لي احد الزملاء انهم يتهمونك بأنك علماني فرديت عليه بأنهم لا يعلمون ما هي العلمانية؟.
 
فقد اتهمت الكنيسة دعاة التحلل من قيودها بالكفر والزندقة وهو امر طبيعي فما من حركة اصلاح ديني إلا واتهمها الكهنوت انها ضدا على الدين .
وقد كانت ثورة ليست ضدا على الدين بل لتحرير الدين من سلطة الكهنوت ؛ هذا هو عين التحرر، والاصلاح الديني الذي قاده مارتن لوثر ؛ تلك الثورة التي مثلت بدايةً هذا التحرر الديني بإعادة تفكيك وتركيب المعادلة الدينية التي فرضتها الكنيسة في العصور الوسطى.
 
 وصار الدين لله والوطن للجميع فالتجربة الدينية تبدأ من الذات أولاً بدلاً من أن تكون الكنيسة ملهمها ومصدرها الأول والأخير، بالتركيز على أن الفرد قادر على استلهام الإيمان بعيداً عن سلطة الكنيسة الروحية باستنباط الإيمان من الذات. فلكي يتحقق الخلاص الأبدي للفرد لا بد من اتباع إيمانه ليواجه منفرداً قدره الأبدي المحتوم، فهذه العزلة الباطنية تشكل أحد أصول التحرر من الوهم.
واستكملت الحداثة الغربية العلمانية مسيرة تحرر الذات، فطرحت نموذجاً متشبعاً بروح العقلانية المادية مصححة لمسار الخلاص من الكنيسة إلى الذات واصلاحها من الداخل ((قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها)) وفي قراءة شذذها القراء الأعاجم ((وفد خاب من نساها)) مستندين إلى ان الله يوم القيامة سيقول للذين أنسوا انفسهم ذكر الله في الدنيا بأنه سينساهم  كما نسوا يومهم هذا.
الخلاصة انه لم يعد طريق الإيمان بالله تحت اشراف الكنيسة بل الطريق إلى الخلاص هو طريق مباشر بين الله الاقرب إلى الإنسان من حبل الوريد، فتزكية النفس عن طريق اصلاحا وتوعيتها بالمعارف والعلوم النافعة ؛ هو الطريق الذي يؤدي إلى الخلاص. وهذا هو تزكية النفس بالمعرفة.
 
وهي رؤية نابعة من فكر فلاسفة عصر التنوير، وهذا لا يعني البتة عدم الاستقواء بمنجزات الحداثة العلمية والإيمان بقدرات العقل وتفرده في إدارة شؤون الحياة بمنأى عن الدين. وبهذا تحولت مركزية الكون من الإله إلى نسبية مركزها الإنسان.
إن السعي في تكريس الحرية بمفهومها الإيجابي وهي الحق في التعبير لا يعني ولا يجب أن يكون على حساب المفهوم السلبي للحرية وهي القدرة على الكف عن التعبير عند حدود حقوق الآخرين، إذا تضمن التعبير عن الرأي ضرراً لهم. والتحول من مسار الحفاظ على الفرد إلى محاولة إيذائه يعبر عن افتقار في إنتاج التعايش والتسامح وينمّي توجهات العنف في مسارات الفكر المتنوعة فيشيع بكل أشكاله ويبدد المشترك الإنساني داخل المجتمعات. وهذا يعني اننا حين نكتب عن العلمانية لا نرضى بتلك العلمانية التي تشوهها الكنائس ورجال الدين؛ ويجعلونها مبيحة للزناء والفسوق وزواج المثلية والإنحلال الخلقي ؛ وذلك لعمري هو عين الكذب على الله والإفتراء على خلقه؛ فنقول لهم بأننا ننادي بدولة مدنية لا تسمح لفئة او لأصحاب مذهب معين أن يعمموا مذهبهم على المجتمع فالدولة محايدة تجاه العقائد وتنظر لجميع الأديان والمذاهب على مسافة واحدة ولا  تتدخل في الدين ومعتقدات الناس بل تحمي المتدينين من بغي بعضهم على بعض.
فالعلمانية بذلك تحترم الاديان وترعاها؛ وليشهد الله انني ضد اي علمانية تضاد الأديان او تنافسها.
 
ولو كانت العلمانية تقف ضد الأديان وعقائد الناس لكنت في اول الصفوف لمحاربتها دفاعا عن الدين والذود عن حياضة ؛ واكثر المنافحين عنه بالقول والعمل.
لكننا نرقب الدول التي انتهجت العلمانية لم يكن بينها دولة واحدة تصاد الأطيان ..بل نجد ان الحروب والصراعات من اجل السلطة في تلك الدول قد توقفت ..
بينما لاتزال الحروب الدينية في الاقطار الاسلامية والدينية فعلى سبيل التمثيل نجد ان الناس في باكستان لم يستطعوا  النعايش وهم عبارة عن مذهبين فقط - سنة وشيعة؛ بينما في الهند التي كانت باكستان جزء منها يتعايش اصحاب مئات الأديان؛ كما اننا نجد ان المسلمين يتمتعون في الدول العلمانية بحرية الإعتقاد فيبنون المساجد في الدول الغربية ويمارسون طقوس العبادة بحرية قد لا تتوفر في بلدانهم الأم؛ ولو خير اي منهم هل يفضل العيش في دولة غربية ام في دولة اسلامية لأختار الدولة الغربية...!

* من حائطه بالفيسبوك

  • مــن نحــن

    موقع اخباري يمني يسلط الاضواء على الاخبار والاحداث اليمنية ، وكذا الاحداث العربية والدولية ، كما يسعى موقع الوفاق نيوز إلى تقديم الحقيقة لزوار الموقع كما هي لا كما يريدها الأخرون

  • تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي