ظفار حمير
مدنية يمنية أثرية تتألق في مرآة التاريخ (تقرير)
كتب عبده الحودي-(الوفاق نيوز):
ظفار حمير : مدنية يمنية أثرية مهمة ،تقع على رأس جبل (العرافة) الواقع في جنوب مدينة يريم بمسافة 17 كم ،وكانت العاصمة الثانية للدولة الحميرية بعد مأرب ،وكان بها قصر "ريدان" المشهور ، وهي اليوم قرية صغيرة من مديرية "السدة" محافظة "إب" ،بجوار قرية "بيت الأشول" ، ويضيف المصدر التاريخي : أن خراب مدنية ظفار يرجع إلى ما قبل الإسلام ،إلا أن معالمها مازالت ماثلة إلى اليوم ،وقد افاض الهمداني في الحديث عن ظفار حمير وقصورها ومعالمها وما ورد فيها من اشعار ،وذلك في الجزء الثامن من الاكليل.



إستجابة لدعوة كريمة من الأخ والصديق العزيز محمد إبراهيم الغرباني ،الذي يعرض دائماً ويطلب من أصدقائه وأحبائه اصطحابهم في رحلات سياحية داخلية تراثية وطبيعية وثقافية علي مستوى مناطق محافظة ذمار ،والخروج عن الروتين اليومي المألوف ،نحو التعرف على لون آخر من صفاء النفس وسموها معاً .




كان مقترح الغرباني أن تكون الرحلة إلى مديرية "ضوران آنس " لزيارة قرية "بيت الفضلي" والاستمتاع بشلالها المشهور ، قبل أن يقترح الدكتور بشير زندال أن تكون الرحلة إلى "ظفار "


تحت سماء ملبدة بالغيوم ،ومطر خفيف بالكاد نشعر به ،وكأنه نسيم عليل محمل بقطرات طل جعلتنا نشعر بالانتعاش والحيوية ،أنطلقنا بسيارة الغرباني تمام السابعة من صباح أمس الخمس 15 أغسطس 2019 ، وفي انطلاقتها علي طول الطريق أستمتعنا بمشاهد الخصب والنماء وبكل ما يحق لنا أن نستمتع به ونفتخر بالإنتماء إليه .

وقبل أن نصل إلى مدينة يريم في تمام الثامنة ،حاولنا الاتصال بالأخ والصديق بشير المصقري ،من أجل دعوته لمرافقتنا ،وكان تلفونه مغلق .

في مدينة يريم توقفت السيارة ونزلنا متوجهين إلي محل "الوفي للكباب البلدي " المشهور وقبل تناول وجبة الفطور أتصل الدكتور بشير بصديقه الأستاد صادق الظافري المتخصص في والمعيد بقسم الآثار بكلية التربية جامعة ذمار ،موجهاً له الدعوة لمرافقتنا في الرحلة بوصفه دليل سياحي أثري وكواحد من شباب قرية ظفار الواعيين الذين ساهموا في الحفاظ علي آثارها حيث تناولنا معه وجبة الفطور والتعبير عن الشكر للوفي ،لقد كانت كبابك لذيذة ..لذيذة جداً.

في التاسعة أنطلقنا متوجهين من يريم إلي "ظفار" والاستمتاع بمشاهد طبيعية غاية في الجمال والروعة ،قربتنا من نبضها وجعلتنا نلامس حياة الفلاحين والفلاحات الموزعين على هذه المساحات الخضراء الشاسعة ، وكأنها متحف طبيعي مفتوح تتدفق من نباتاته وأشجاره وثمارة وزهوره معاني الهوية الحقيقية والإنتماء الأصيل ، فأي شعب تتجذر علاقته بالزراعة يكتسب عنفواناً وشموخاً وثقة بالذات والمستقبل ،ولذلك أدركت بعض الدول مبكراً قيمة المحافظة على الأرض الزراعية وتعهدتها بالرعاية والعناية باعتبارها اهم عناصر التنمية المستدامة ،والأخذ منها وفقاً لمعايير وأسس لاتؤثر سلباً على الأجيال المتعاقبة.



في العاشرة توقفت السيارة أمام "متحف ظفار " نزلنا متوجهين إلى داخله ،وكان في استقبالنا أمين المتحف الرائع الذي يستحق الشكر على المعلومات و الشاي ووجبة اللبن مع الفطير البلدي ،لقد كانت وجبة فطور لذيذة.

في بداية جولتنا داخل المتحف الذي يتكون من دور واحد وثلاث صالات مستطيلة تحتوي على مجموعة من القطع الأثرية المتنوعة ،ومخزن و مكاتب إدارية ، قام أمين المتحف ودليلنا الاستاد صادق الظافري ، بعرض مقدمة موجزة عن تاريخ ظفار ، وإلقاء الضوء علي كل قطعة تكتظ بالاخبار والأسرار وتبرز جماليات ماضينا الشامخ ،وأهمية استحضاره كي يكون دافعاً وملهماً للاجيال.



الزائر للمتحف لا بد أن يقوم بزيارة القصر /الحصن ،هذا المعلم التاريخي الأكثر أهمية وشهرة في ظفار ، الذي لم يظهر منه سوى المدخل الرئيس الذي يمكن الإنطلاق منه إلي باقي عناصر و مكونات القصر ،وهذا الجزء الذي يشبه"المعبد" أو صالة استقبال الزوار وكبار الضيوف ، وهو عبارة عن مساحة مربعة واسعة مرصوفة بالاحجار المليئة بالرموز ، وفي وسطها يتربع تمثال بديع من الرخام لواحد من الملوك الحميريين ،وهناك نقوش لصور حيوانات ونباتات مرسومة على أحجار الجدران التي تحيط بالتمثال من كل الجهات ، ومن خلال النظرة الأولى لهذا الجزء المكتشف يوحي بأن ثمة مدينة مخفية في داخل هذا الركام وفي قاع الأرض ،يتحرك فيها الزمن في كل الاتجاهات ،وتجر وراءها ركاماً هائلاً من أحداث واخبار واسرار تاريخ ظفار ،و يتمنى أن تعود البعثة الإلمانية لمواصلة استكمال أعمال التنقيب والترميم في هذا الصرح التاريخي والحضاري الفريد الذي لو تم الحفاظ علي كل عناصره ومكوناته المادية والروحية ، يمكن أن يتحول إلى متحف منافس لأكبر متاحف العالم.



وعندما تأملت في حجم الاحجار الضخمة التي بني بها هذا القصر ، سألت أحد أبناء المنطقة: كيف تم قص ورفع هذه الاحجار بهذه الدقة والعناية والقوة في ظل الإنسان فقط وغياب الآلة ؟




فكان رده مدهشا حيث قال:
بالهمة والنشاط والمثابرة والعزيمة والتقيد بالنظام والنظافة والسلوكيات والقيم الإنسانية ،يستطيع الإنسان أن يحقق الثراء والغناء والوجاهة والشهرة والسعادة في الدنيا والآخرة وبإمكانه أيضا من خلالها أن يبني "الجنة " هنا علي هذه الأرض الطيبة السعيدة.

التجول داخل بيوت القرية والنظر إلى وجوه سكانها التي تفوح منها رائحة التاريخ ، يمكنك أن تسمع ما تم إرتكابه من حماقات في التعامل مع آثار ظفار حيث تم نهب احجار قصورها وأبوابها ونوافذها ومجموعاتها الأثرية التي لا تقدر بثمن واستخدمها في بناء البيوت في عدة قرى مجاورة وبعيد في المنطقة الوسطى ولا تزال ظاهره حتى اليوم.فضلا عن التعديات والحفر العشوائي وإخراج مومياء محنطة وبجوارها ذهبها وفضتها ومجموعات أوانيها الأخرى والصراع عليها بين عدة أطراف الأمر الذي أدى إلى نهبها وتشويه ما تبقى من الآثار وغيرها من التصرفات غير الواعية والفاهمة التي يتعرض لها تاريخ ظفار وما يزال !

ونحن نثير العديد من الأسئلة عن واقع السياحة التراثية والطبيعية والثقافية في ذمار خاصة واليمن عامة وعن دور المؤسسة/ الدولة في الحفاظ على ماضينا العريق ، لا يمكن لرحلاتنا هذه ان تجيب عليها بقدر ما تلفت وتسلط الضوء ،ففي رحابها تخترق الرؤية للتعرف على ما يجب أن نقوم به.

  • مــن نحــن

    موقع اخباري يمني يسلط الاضواء على الاخبار والاحداث اليمنية ، وكذا الاحداث العربية والدولية ، كما يسعى موقع الوفاق نيوز إلى تقديم الحقيقة لزوار الموقع كما هي لا كما يريدها الأخرون

  • تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي